محمد بن جرير الطبري
123
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إقرار المنافقين بألسنتهم ، والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم ، وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربه لهم ولشكهم ومرض قلوبهم ، فقال : يَكادُ الْبَرْقُ يعني بالبرق : الإِقرار الذي أضروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به من عند ربهم ، فجعل البرق له مثلا على ما قدمنا صفته . يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ يعني : يذهب بها ويستلبها ويلتمعها من شدة ضيائه ونور شعاعه . كما : حدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عمار ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ قال : يلتمع أبصارهم ولما يفعل . قال أبو جعفر : والخطف : السلب ، ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه نهى عن الخطفة " يعني بها النهبة ؛ ومنه قيل للخطاف الذي يخرج به الدلو من البئر خطاف لاختطافه واستلابه ما علق به . ومنه قول نابغة بني ذبيان : خطاطيف حجن في حبال متينة * تمد بها أيد إليك نوازع فجعل ضوء البرق وشدة شعاع نوره كضوء إقرارهم بألسنتهم وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشعاع نوره ، مثلا ثم قال تعالى ذكره كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ يعني أن البرق كلما أضاء لهم ، وجعل البرق لإِيمانهم مثلا . وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإِيمان وإضاءته لهم أن يروا فيه ما يعجبهم في عاجل دنياهم من النصرة على الأَعداء ، وإصابة الغنائم في المغازي ، وكثرة الفتوح ، ومنافعها ، والثراء في الأَموال ، والسلامة في الأَبدان والأَهل والأَولاد ، فذلك إضاءته لهم ؛ لأَنهم إنما يظهرون بألسنتهم ما يظهرونه من الإِقرار ابتغاء ذلك ، ومدافعة عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم ، وهم كما وصفهم الله جل ثناؤه بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ويعني بقوله : مَشَوْا فِيهِ مشوا في ضوء البرق . وإنما ذلك مثل لإِقرارهم على ما وصفنا . فمعناه : كلما رأوا في الإِيمان ما يعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا ، ثبتوا عليه وأقاموا فيه ، كما يمشي السائر في ظلمة الليل وظلمة الصيب الذي وصفه جل ثناؤه ، إذا برقت فيها بارقة أبصر طريقه فيها ؛ وَإِذا أَظْلَمَ يعني ذهب ضوء البرق عنهم ويعني بقوله : و عَلَيْهِمْ على السائرين في الصيب الذي وصف جل ذكره ، وذلك للمنافقين مثل . ومعنى إظلام ذلك : أن المنافقين كلما لم يروا في الإِسلام ما يعجبهم في دنياهم عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضراء وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء من إخفاقهم في مغزاهم وإنالة عدوهم منهم ، أو إدبار من دنياهم عنهم ؛ قاموا على نفاقهم وثبتوا على ضلالتهم كما قام السائرون في الصيب الذي وصف جل ذكره إذا أظلم وخفت ضوء البرق ، فحار في طريقه فلم يعرف منهجه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ قال أبو جعفر : وإنما خص جل ذكره السمع والأَبصار بأنه لو شاء أذهبها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم للذي جرى من ذكرها في الآيتين ، أعني قوله : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ وقوله : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل . ثم عقب جل ثناؤه ذكر ذلك بأنه لو شاء أذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم وكفرهم ، وعيدا من الله لهم ، كما توعدهم في الآية التي قبلها بقوله : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ